محمد متولي الشعراوي
1728
تفسير الشعراوى
المعركة ليشهدوا حربا ، وإنما ليصادروا أموال قريش في العير تعويضا لأموالهم التي تركوها في مكة . ومع ذلك شاء اللّه ألّا يواجهوا العير المحملة ، ولكن ليواجهوا الفئة ذات الشوكة ، وجاء النصر لهم . ولكن هذا النصر ، وإن يكن قد ربّى المهابة للمسلمين في قلوب خصومهم ، فإنه قد جمع همم أعداء الإسلام ليتجمعوا لتسديد ضربة يردون بها اعتبار الكفر ؛ ولذلك رأينا رؤوس قريش وقد منعت نساءها أن يبكين على قتلاهم ؛ لأن البكاء يريح النفس المتعبة ، وهم يريدون أن يظل الحزن مكبوتا ليصنع مواجيد حقدية تحرك النفس البشرية للأخذ بثأر هؤلاء ، هذا من ناحية العاطفة التي يحبون أن تظل مؤججة ، ومن ناحية المال فإنهم احتفظوا بمال العير الذي نجا ليكون وسيلة لتدبير معركة يردون فيها اعتبارهم . وقد حاولوا قبل أحد أن يفعلوا شيئا ، ولكنهم كانوا يردّون على أعقابهم . فمثلا قاد أبو سفيان حملة مكونة من مائة ، وأراد أن يهاجم بها المدينة فلما نمى خبرها إلى سيدنا رسول اللّه نهض بصحابته إليهم ، فبلغ أبا سفيان خروج رسول اللّه ، ففرّ هاربا وألقى ما عنده من مؤنة في الطريق ليخفف الحمل على الدواب لتسرع في الحركة ، ولذلك يسمونها « غزوة السويق » لأنهم تركوا طعامهم من السويق . كما حاول بعض الكفار أن يغيروا على المدينة بعد ذلك أكثر من مرة ولكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يذهب إليهم على رأس مقاتلين ، فمرة عددهم مائة ومرة مائة وخمسون ومرة مائتان ، وفعلا شتت الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم شملهم . وكان من خطته صلّى اللّه عليه وسلّم حين يذهب إلى قوم كان يبلغه أنهم يريدون أن يتآمروا لغزو المدينة أن يظل في بلدهم وفي معسكرهم وقتا ليس بالقليل . كل ذلك سبق غزوة أحد . وبعد ذلك تجمعوا ليجيئوا لغزوة أحد ، وكان ما كان ، والآيات التي تعالج هذه الغزوة فيها إيحاءات بما جاء في المعركة ، فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بوأ للمقاتلين مقاعد للقتال ، وأمرهم بالثبات في تلك المواقع لكن بعضا من المقاتلين ترك مكانه ، والبعض الآخر همّ بالانسحاب ، لكنه ثبت أخيرا ، وفرّ كفار قريش . وقد تجلت في هذه المعركة آيات اللّه الكبيرة .